الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
165
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المائة يفطر ويطعم لكل يوم مسكينا خبزا ولحما . وعلى تفسير الطاقة بالقدرة فالآية تدل على أن الذي يقدر على الصوم له أن يعوضه بالإطعام ، ولما كان هذا الحكم غير مستمر بالإجماع قالوا في حمل الآية عليه : إنها حينئذ تضمنت حكما كان فيه توسعة ورخصة ثم انعقد الإجماع على نسخه ، وذكر أهل الناسخ والمنسوخ أن ذلك فرض في أول الإسلام لما شق عليهم الصوم ثم نسخ بقوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [ البقرة : 185 ] ونقل ذلك عن ابن عباس وفي البخاري عن ابن عمر وسلمة بن الأكوع نسختها آية شَهْرُ رَمَضانَ [ البقرة : 185 ] ثم أخرج عن ابن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم من يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ، ورويت في ذلك آثار كثيرة عن التابعين وهو الأقرب من عادة الشارع في تدرج تشريع التكاليف التي فيها مشقة على الناس من تغيير معتادهم كما تدرج في تشريع منع الخمر . ونلحق بالهرم والمرضع والحامل كلّ من تلحقه مشقة أو توقّع ضر مثلهم وذلك يختلف باختلاف الأمزجة واختلاف أزمان الصوم من اعتدال أو شدة برد أو حر ، وباختلاف أعمال الصائم التي يعملها لاكتسابه من الصنائع كالصائغ والحدّاد والحمامي وخدمة الأرض وسير البريد وحمل الأمتعة وتعبيد الطرقات والظّئر . وقد فسرت الفدية بالإطعام إما بإضافة المبيّن إلى بيانه كما قرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر وأبو جعفر : ( فدية طعام مساكين ) ، بإضافة فدية إلى طعام ، وقرأه الباقون بتنوين ( فدية ) وإبدال ( طعام ) من ( فدية ) . وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ( مساكين ) بصيغة الجمع جمع مسكين ، وقرأه الباقون بصيغة المفرد ، والإجماع على أن الواجب إطعام مسكين ، فقراءة الجمع مبنية على اعتبار جمع الذين يطيقونه من مقابلة الجمع بالجمع مثل ركب الناس دوابهم ، وقراءة الإفراد اعتبار بالواجب على آحاد المفطرين . والإطعام هو ما يشبع عادة من الطعام المتغذى به في البلد ، وقدره فقهاء المدينة مدّا بمد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من برّ أو شعير أو تمر . فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ . تفريع على قوله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ إلخ ، والتطوع : السعي في أن يكون